اشتياق الرسول لإخوانه من بعده واشتياقهم له بقلم: أحمد المتوكل
الفهرس
المعنى اللغوي للشوق
اشتياق الرسول لإخوانه من بعده
المشتاقون للرسول في آخر الزمان
نماذج من المشتاقين لرسول الله
جُبلت نفوس الناس على حب من يحسن إليها ويُسدي لها الخير، وأفضلُ من جاء الناس أجمعين بخير عميم وفضل عظيم، هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم. لم تعرف البشرية قبله ولا بعده مثله أبدا. أَحَبَّه الله تعالى واصطفاه على كل خلقه، وشرَّفه بخاتمة رسالاته، ووصفه بمكارم الأخلاق، وحلاَّه بمزايا الصفات، أحب الناس عامة، وأحب لهم الخير وسعى لهم فيه، وأوذي في سبيل ذلك، وكان يهتم ويغتم لعدم استجابتهم للإسلام.

ولقد أحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محبة زائدة عظيمة من استجاب لدعوته واتبع نهجه وصَحِبَه في حياته، وأحب إخوانه من أمته الذين يأتون من بعده واشتاق إليهم قبل أن يشتاقوا إليه، وتمنى اللقاء بهم.

ولقد شهِد بفضل رسول الله عليه الصلاة والسلام كلُّ من رآه ممن لم تكن على عينيه غشاوة، وعشِقَه كلُّ من عرف هديه وسنته وسيرته ممن لم يكن على قلبه كِنٌّ، وأحبه أصحابه حبا جما، حتى إنهم كانوا لا يمَلُّون من مجالسته والتحدث معه والسماع منه والأخذ عنه والجهاد معه، وكانوا إذا غابوا عنه قليلا سرعان ما يحِنُّون لرؤيته ويُهْرَعون إلى النظر إلى وجهه الأنور الأغر، ومحياه الأزهر، ووُجد من أمته من يجيء بعده بعدة قرون يؤمن به ولم يره، ويصَدَّق به وبكل ما جاء به، ويهيِّجه الشوق إلى رؤية وجهه الشريف، والتمتع بطلعته البهية.

وفي هذا الموضوع سأتناول شوق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى من سيأتي من بعده من أمته، وشوقهم إليه.

المعنى اللغوي للشوق

قال ابن منظور رحمه الله: "الشوق والاشتياق نِزاعُ النفس إلى الشيء، والجمع أشواق... والشوق حركةُ الهوى" [1].

فالشوق إذن هو: التطلع إلى رؤية المحبوب إذا هاجت النفس إليه واستوحشته وتشوفت إليه ورغِبَتْ فيه بشدة.

اشتياق الرسول لإخوانه من بعده

القرن الفاضل من هذه الأمة هو قرن الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونَهم. ويجيء من بعدِهم سابقون مقربون، وأولياء ربانيون، وشهداء وصالحون، وعلماء مربون ناصحون، وقائمون لله بالقسط من خيار أمة المصطفى لا يخلو منهم زمان ولا مكان، رغم بُعدِ الزمان وطول العهد، وهؤلاء حنَّ إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشتاق لرؤيتهم واعتبرهم إخوانا له، وتمنى اللقاء بهم، وبشرّهم بأنه سيسبقهم إلى حوضه وينتظرهم هناك ليسقيَهم منه، كان صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ذات يوم يزورون المقبرة فقال لهم: ""وددت أنا قد رأينا إخواَنَنَا"، قالوا: أولسنا إخوانَك يا رسول الله؟! قال: "بل أنتم أصحابي، وإخوانُنا الذين لم يأتوا بعدُ"، فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: "أرأيت لو أن رجلا له خيل غُرٌّ مُحَجَّلةٌ بين ظهري خيل دُهمٍ بهمٍ ألا يعرف خيله"؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "فإنهم يأتون غُرّاً مُحَجَّلين من الوضوء، وأنا فَرَطُهم على الحوض"" [2].

ففي هذا الحديث المبشر أخبر الحبيب الأعظم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم أن له في آخر الزمان إخوانا من بعده، ليسوا أنبياء لأن النبوة به خُتِمت، وليس فيها نفي لأخُوةِ الصحابة لرسول الله، ولكن الرسول ذَكَرَ مرتبتهم الزائدة بالصحبة، فهؤلاء إخوةٌ صحابة، والذين لم يأتوا بعد، إخوةٌ ليسو بصحابة، ولكن لهم فضل بما آمنوا به ولم يروه، وبالتعلق القلبي والمحبة الخالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والاقتداء الكامل، والشوق الزائد المتوقد، والإيمان المتجدد، ولهم فضل بما صبروا على غربة الإسلام، وعلى شدة وكيد أعداء الإسلام على أهل الإيمان.

-"ناس أخيار يأتون من بعده صلى الله عليه وسلم، أنزلهم منزلة الإخوان، في مرتبة تحاذي مرتبة الصحابة وتقاربها، هم ناس يحبون الله ورسوله المحبة المزدوجة التي هي بمثابة الجناحين لمن أهَّلَه الله للتحليق في ذلك الأفق" [3].

إن السابقين الأولين سابقون مُقربون، والمؤمنون اللاحقون إخوان مُحبون مشتاقون، وكلُّهم على خير عظيم، لأنهم عاشوا للإسلام لا لأنفسهم، ولأنهم أحبوا رسول الله وتفانوا في حبه واتبعوا هديه ونشروا ونصروا دينه، وصبروا على ما يلقونه في سبيل ذلك.

لكن ليس كل من هب ودب وقال أنا من إخوان الرسول، يدخل هنا، بل هم الذين اشتاق إلى رؤيتهم الرسول وتمنى اللقاء بهم كما أخبر، ولهم صفات روحية عملية سلوكية أهَّلَتْهم ليشتاق إليهم رسول الله، روى الإمام أحمد عن أنس قال: قال الرسول عليه السلام: ""ودِدْت أني لقيت إخواني"، - قال الراوي-: فقال أصحابُ النبي: أو ليس نحن إخوانَك؟ قال: "أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني"" [4].

إنها بشريات عظيمة يهتز لها كل ذي قلب مشتاق توّاق، ويرشح نفسه لها بالصدق الدائم، والطاعة الكاملة والاستقامة والدعوة الدائبة، والجهاد المستمر.

فكيف لا نشتاق إلى أطيب الخلق الذي سبقنا بالشوق، اشتاق لرؤيتنا فما اشتقنا إليه، ألا من دمعة مشفق على نفسه اللاهية، تنقله من الغفلة إلى الذكر والتذكر والحب والشوق والذوق.

المشتاقون للرسول في آخر الزمان

أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أنه سيكون من بعده من أمته محبون مشتاقون إليه، ومن شدة حبهم لنبيهم لا ُيبالون لو أنفقوا كل أموالهم وافتَدَوْا بأهلهم مقابل رؤيتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قابَلوا شوق الرسول إليهم بشوق هائج إليه من وراء جدران الزمان والحواجز.

جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي، يودُّ أحدهم لو رآني بأهله وماله" [5].

وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أشدَّ أمتي لي حبا قوم يكونون أو يجيئون، وفي رواية - يخرجون بعدي- يود ّأحدهم أنه أعطى أهله وماله وأنه رآني" [6].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على أحدكم زمان لأن يراني أحبُّ إليه من مثل أهله وماله" [7].

محبون عاشقون ملأ الشوق قلوبهم، وتحققت لهم المحبة الكاملة الفاعلة للرسول صلى الله عليه وسلم، لا يكتحل لهم جفن إلا بالنظر إلى محياه والجلوس معه، نالوا هذه المنزلة بعظيم حبهم لصاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وسلم وبتذكُّرهم له دائمًا وتمنِّيهم رؤيته والشوق إلى لقياه والكينونة معه في الجنة، رُغم عدم رؤيتهم له في الدنيا.

قال مشتاق ملتاع مخاطبا رسول الله عليه الصلاة والسلام:

شوق لكم شق الضلوع معانقا
مسرى البيان ومسرح الإلهام
ما كنت أكتم حبكم، وهواكم
متمكن في مهجتي وعظامي
إن لم يكن حبي لجيرة أحمد
فلمن تكون مودتي وغرامي؟
[8]
إن المؤمنين الصادقين في زمان الغربة هذا - على قلتهم وذلتهم- لا يشعرون بالغربة ولا بحياة الضنك، التي يُحسُّ بها غيرهم، إذ كيف يشعرون بها وقلوبهم ملأى بحب الله ورسوله والشوق إلى لقائهما، فهم يفتخرون بغربتهم في مجتمع الضياع، ومجتمع انحطاط القيم، ونُضوب الإيمان من القلوب واللهث وراء الماديات المُلهية المُطْغية، وبحبهم وشوقهم لرسول الله تَذهب همومهم وتنجلي كرباتهم، وتبرأ أدواؤهم.

فإلى المصطفى تتشوق نفوسهم العالية، وبحبه تَلتاع أرواحهم السابقةُ إلى الخيرات، الناشئةُ على الاستقامة

والطهر، قال متيم مشتاق:

نسينا في ودادك كل غال
فأنت اليوم أغلى ما لدينا
نلام على محبتكم ويكفي
لنا شرف نلام وما علينا
ولَمّا نَلقَكُم لكن شوقا
يُذَكِّرنا فكيف إذا التقينا
تسلَّى الناس بالدنيا وإنا
لعمرُ الله بَعْدَك ما سَلَيْنا
[9]
فهل نهضَتْ بك همتك - أيها القارئ الكريم - لتكون من هؤلاء؟ وهل زاد حبك لرسول الله وتمنيت لقياه واشتقت لرؤية وجهِه الأنور؟ وهل ضاعَفْتَ حبَّك وشوقك ورفعْتَ همَّتَك وأوقدْتَ طموحك.

فلينظر كل منا إلى صدق إيمانه بربه، وليفتش عن محبته لله ولرسوله بين جوانحه، والشوق إلى لقائهما.

وحُبُّ العبد لله وللرسول صلى الله عليه وسلم لا يتمثل فقط في طاعتهما وتنفيذ أوامرهما، بل إن من مظاهِر محبّتِهما الكاملة ذكرُهما وتذكُّرُهما دائمًا وتمنِّي رؤيتهما والشوق إليهما والتمتع بالنظر إليهما في الجنان.

نماذج من المشتاقين لرسول الله
إن للمحبة حرارتَها التي يفور بها قلب المحب هُياما وتوقا لرؤية وجه محبوبه، حتى ليكاد يمرَض إن طال الفراق بينهما، وهذا لا يدركه إلا من أحب وذاق واشتاق والتاع كالصحابة الأجلاء الذين ما استطاعوا أن يكتموا ولا أن يصبروا على عدم رؤية وجه الرسول صلى الله عليه وسلم ولو لوقت يسير، فكانوا لا ينالون لذتهم ولا ترتاح نفوسهم، ولا تهدأ أرواحهم إلا عندما يجلسون أمام الوجه الأغر الأنور.

وهذه نماذج مشرقة ممن عرفوا قدر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وأحبوه حبا كبيرا وألِفُوهُ ولم يُطيقوا فِراقَه والبِعادَ عنه فحركهم الشوق إليه والتلذذ بطلعته والتنور بنور وجهه ومجالسته:

أخرج الطبراني وابن مردوْيه بسند لا بأس به عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إنك لأحبُّ إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرتُ موتي وموتك وعرفتُ أنك إذا دخلتَ الجنة رُفعتَ مع النبيئين، وإني إذا دخلتُ الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يردَّ النبي صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نزل جبريل بهذه الآية: " وَمَنْ يُطِع اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِ، وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا [10].[11]

صحابي محب يهزّه الحب المشُوب بالشوق هزاً عنيفاً ويُخرجُه من بيته، فلا يُقعده إلا أمام رسول الله، ويبعث فيه الطموح والهمة ليفكر في مصيره في الآخرة ، هذا هو الحب وإلا فلا.

وهذا "ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شديد الحب له قليل الصبر عليه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحُلَ جسمُه يُعرفُ في وجهه الحزن، فقال له: "يا ثوبان ما غيَّرَ لونك"؟ ، فقال يا رسول الله: ما لي من ضر ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقتُ إليك واستوحشتُ وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرتُ الآخرة وأخاف أن لا أراك هناك لأني أعرف أنك تُرفع مع النبيئين، وإني وإن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك أحرى أن لا أراك أبدا" فأنزل الله {وَمَنْ يُطِع اللَّهَ وَالرَّسُولَ...}" [12].

استوحش ثوبان حبيبه واغتم وحزن، وما كان به من وجع ولا ألم، ولم يمت له قريب ولا حبيب، ولم يحزن على مال ضاع منه، ولا على منصب من مناصب الدنيا فاته، ولا على صفقة خسرها، كل ما أهمه هو أنه كان شديد الحب للرسول قليل الصبر على فراقه. كان إذا غاب عنه وجه حبيبه وتذكره هجمت عليه الوحشة وجاءه الشوق. إنه الشوق وأيّ شوق؟! شوق المحب إلى الحبيب الذي أحبته كل الكائنات صلى الله عليه وسلم.

وعن زيد بن أسلم قال: خرج عمر ليلة يحرس الناس فرأى مصباحا في بيت، وإذا عجوز تنفش صوفا وتقول:

على محمد صلاة الأبرار
صلى عليه الطيبون الأخيار
قد كنتَ قوَّاما بُكاً بالأسحار
يا ليت شعري والمنايا أطوار
هل تجمعني وحبيبي الدار

تعني النبي صلى الله عليه وسلم. تمنت العجوز أن يجمعها الله بحبيبها في الجنان، فتأثر عمر بمناشدتها وبكى وطلب منها قائلا: وعمرَ لا تنْسيْه يرحمُكِ الله، فقالت:

وعمر فاغفر له يا غفار
[13]
وعن عبدة بنت خالد بن معدان قالت: "ما كان خالد يأوي إلى فراشه إلا وهو يذكر من شوقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار يسمِّيهم ويقول: هم أصلي وفصلي، وإليهم يحن قلبي، طال شوقي إليهم، فعجل رب قبضي إليك، حتى يغلبه النوم" [14].

وأورَد ابن عساكر في ترجمةِ بلال رضي الله عنه أنه لما احتُضر نادَت امرأتُه: وا ويلاه، وا حزناه، فنادى هو قائلاً: "وا فَرحاه، واطرباه، غدًا نلقى الأحبّة، محمّدًا وحِزبه" [15].

دَفَعَ بلال شدة حرارة الموت، وحزْنَ زوجته على فراقه بحرارة الشوق إلى لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتكرر هذا الموقف من عدة صحابة تذكّروا الآخرة، وأن المصطفى سينال أعلى درجات الجنان، وأنه ربما لا يرونه، وكان منهم من قال: "يا رسول الله ما ينبغي لنا أن نفارقك، فإنك لو قد مِتَّ لرُفعت فوقنا ولم نرك" [16].

وروى ابن هشام في السيرة "أن امرأة من الأنصار، قُتِل أبوها وأخوها وزوجها يوم أُحُدٍ، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما فعل رسول الله؟ قالوا: خيرًا، هو بحمد الله كما تحبّين، قالت: أرُوِنيهِ حتى أنظر إليه، فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل. أي: هينة" [17].

وكان أهل المدينة ممن أسلم ولم ير رسول الله قبل هجرته يخرجون كل صباح إلى طرق المدينة ينتظرون وصول رسول الله شوقا إليه، فينتظرونه حتى يرُدَّهم حر الظهيرة، فإذا اشتد حر الشمس، رجعوا إلى منازلهم، وبقُوا كذلك حتى قدم رسول الله فاستقبلوه بما يليق به عليه الصلاة والسلام[18].

كانت محبة الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرةً ولها ما يدل عليها، وشدتُها وكيفيةُ التعبير عنها كانت تختلف من صحابي لآخر، فكان بعضهم من كثرة حبه وتبجيله وتوقيره لحبيبه، لا يقدر على أن يُحِدَّ النظر إليه، وكان آخَرُ من شد حبه والشوق إليه لا يصبر على البعاد عنه، ولا تهدأ نفسه، ولا يطيب خاطره إلا عندما يأتي وينظر إلى وجهه الشريف، وآخَرُ كان إذا غاب عنه محبوبه يستوحشه فيهرول إليه ليسعد بمحياه ، ويحظى بالقرب منه ، فيشرق قلبه وتزول الوحشة عنه بالجلوس أمامه، وآخر ينسى مصائبه وآلامه، ويداوي جروح قلبه برؤية وجه الرسول صلى الله عليه وسلم.

نفوس طاهرة أهمَّها حب الرسول وأنساها مآسي الحياة وهموم الدنيا، ومصائب الزمان، وأرَّقَها البِعادُ عن حبيبها، وجعلها تتطلع لرؤيته، وتتعلق أرواحها به، ولا تغيب صورته عن أذهانها، وكيف لا تبتهج الأرواح بنور محياه، ولا تتشوف الأبصار لرؤيته، وهو دواؤها وطبيبها وهاديها ومن أتاها بكل خير؟!

صحيح أن هنالك عاملاً هيج المزيد والمزيد من الحب للمصطفى بين جوانح ذلك الرعيل الأول، ألا وهو عامل رؤيتهم له، وجلوسهم بين يديه والقرب منه، أما نحن فلَمْ يحصل لنا شرف رؤيته والجلوس معه، ولكن هناك عاملاً آخر يقتضي أن نكون من أكثَر الناس اشتياقا للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأكثِرهم تطلعا لرؤيته، ألا وهو عامل عدم التقائنا به صلى الله عليه وسلم وعدم رؤيتنا له، فما ينبغي أن يكون حبنا أقل من حبهم له، لأن الُمحبَّ كلما طال العهد بينه وبين محبوبه، إلا وازدادت حرارة الشوق اشتعالا عنده، وتمني الوصل واللقاء به في أقرب وقت، ولأن المحب الذي يجلس إلى محبوبه يراه صباح مساء؛ مِنَ المفترض أن تكون قوة اشتياقه إليه أقل من المحب البعيد عن محبوبه، الذي لم يتأتَّ له أن يجلس إليه ولا أن يراه، أليس كذلك؟ لاسيما وقد تشوق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إخوانه الذين لم يرهم، والذين سيأتون من بعده كما أخبر صلى الله عليه وسلم.

فنحن ينبغي أن يكون حبُّنا للرسول زائدا، وشوقُنا إليه مشتعلا متوقدا، وما ينبغي لنار الشوق أن تخمد، ولا لحرارة الوصل أن تبرد.

قال محب مشتاق تعذر عليه لقاء حبيبه في الدنيا حتى كاد الأسى يقضي عليه، ولكن لم يقض على أمل اللقاء بمحبوبه في الآخرة:

بِنْتُم وبنَّا فما ابتَلَّت جوانحنا
شوقا إليكم ولا جفت مآقينا
تكاد حين تناجيكم ضمائرنا
يقضي علينا الأسى لولا تأسِّينا
إن كان قد عزَّ في الدنيا اللقاء ففي
مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
[19]
ولم يقتصر حب الرسول والشوق إليه على بني آدم بل تعداه إلى الجمادات، فلقد حنَّ الجذع الذي كان الرسول يستند إليه في الخطبة وبكى شوقا واشتياقا للمصطفى لما فارقه واستبدله بالمنبر، وكان الإمام الحسن البصري كلما حدث بحديث الجذع بكى وقال:

"الخشبة تحن إلى رسول الله شوقا إليه لمكانه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه" .

ولله در من قال:

يحن الجذع من شوق إليك
ويذرف دمعه حزنا عليك
فما لي لا يحن قلبي إليك
ومُنايَ أن أُقبل مقلتيك
وأن ألقاك في يوم المعاد
وينعم ناظري من وجنتيك

حنَّ إليه الجذع الجاف حبًا وشوقًا، وأحبَّه جبل أُحُد ذو الأحجار والصخور، ونسيتْهُ وجفته وأبت أن تستجيب لدعوته وتعمل من أجلها قلوب بعض الناس، وجفته أفئدة لاهية لاغية ساهية، ألا إن الآدميين أولى وأجدر بحبه واتباعه من كل المخلوقات، وهم الجمادات القساة الأصلاب حقا إن جفوا وهجروا حب واشتياق المصطفى. وويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله، الفارغة من حبه وحب مصطفاه.

فهل حدّثتك نفسك وأيقظتك- قارئي العزيز- لتلتحق بصف الرجال المُحبين المشتاقين لرسول الله؟ وهل ارتفع رصيد إيمانك وزاد حبك والتهب شوقك وأرَّقَتْك وحشتُك؟ وهل تمنيت لقيا حبيبك، وتمنيت رؤية وجهه الشريف كما اشتاق إليه صحابته الذين بقُوا من بعده؟ وإذا كنت مُحبا صادقا له، فهل وصل حبك إلى أن فضلت رؤية وجه النبي الأكرم على مالك وأهلك؟ وهل تستطيع أن تنفق كل ما لديك مقابل رؤية وجه حبيبك المصطفى؟

اسأل نفسك وأجب نفسك بنفسك، وإذا كنت من أهل الغربة المُحبين العاشقين لرسول الله فهل شمرت على ساعد الجد والإخلاص وبرهنت على ذلك باتّباع سنته والدعوة إليها، وإصلاح أوضاع أمته التي أفسدها المفسدون وعبث بها العابثون؟ وهل ثبَتَّ على دين محمد في زمن الفتن والتقلبات والتَّمَوُّجات، أم ساقتك معها رياح الفتنة والهوى، ورمت بك في مهاوي الغفلة والتيه بعيدا عن شرع الله وسنة نبيه.

وبعد: فهذا الموضوع دعوةٌ لكل من بردت أشواقه، وإثارةٌ لمن فَتَرَتْ همته، لينهض ويجدد كل ذلك حتى تصير كأشواق الصحابة عسى أن يصاحب رسول الله في جنة الخلد.

اللهم اجعلنا من إخوان رسول الله الذين اشتاق لرؤيتهم، وأكْرمْنا بحبه، وأشغلنا بالصلاة والسلام عليه، واغرس في قلوبنا الشوق إلى لقائه، والشرب من حوضه بيديه الشريفتين والكينونة معه في الجنان.

تاريخ النشر: الثلاثاء 21 فبراير/شباط 2012
[1] ابن منظور لسان العرب (10. 193).
[2] فَرَطُهُم: سابقُهُم إلى الحوض ليسقيهم منه
رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.
[3] تنوير المومنات عبد السلام ياسين (1 . 237).
[4] رواه أحمد عن أنس في مسند باقي المكثرين.
[5] رواه مسلم عن أبي هريرة في كتاب الجنة ونعيمها.
[6] رواه أحمد عن أبي ذر في كتاب مسند الأنصار.
[7] رواه البخاري عن أبي هريرة.
[8] شعر أبو فراس النطافي مجلة الوعي الإسلامي عدد 503 ص 61.
[9] المسك والعنبر في خطب المنبر لعائض القرني (1. 300).
[10] سورة النساء الآيات: 69، 70.
[11] حديث حسن أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد وقال رواه الطبراني في الأوسط والصغير وحسنه ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي وهو ثقة. انظر أسباب النزول للإمام السيوطي ص 128.
[12] أسباب النزول للإمام الواحدي ص 130.
[13] الشفا للقاضي عياض ص 240.
[14] رواه أبو نعيم في الحلية.
[15] سير أعلام النبلاء (1. 359).
[16] أسباب النزول للإمام السيوطي ص 128 دراسة وتحقيق حامد أحمد الطاهر دار الفجر للتراث القاهرة 2002.
[17] انظر الشفا ص 240.
[18] انظر صحيح البخاري كتاب مناقب الأنصار باب هجرة النبي.
[19] البين: البعد.
المسك والعنبر في خطب المنبر لعائض القرني (1 .22).